معركة السيد فضل الله مع الخرافيين

سليم الحسني
عندما بدأت بوادر الحرب ضد السيد محمد حسين فضل الله، نصحه بعض أصدقائه المخلصين بأن يبتعد عن نقد الخرافات، حتى لا يتعرض لردة فعل شديدة من أصحاب الاتجاه الخرافي والتجهيلي. كانت النصيحة تستند الى فهم الواقع الشيعي، فما أن تظهر دعوة للعودة الى الأصول الصحيحة للتشيع، حتى يبادر اقطاب الخرافة الى محاربتها بتسقيط أصحابها، وبذلك يضمنون رواج تجارتهم وبقاء مكاسبهم الشخصية.

لقد تعرض الكثير من كبار علماء الشيعة لمثل هذه الحروب التشويهية، وكانت النتيجة لصالح الخط الخرافي عادة، فأقطاب التجهيل يمتلكون أهم سلاحين فتاكين في هذه المعارك: 

جمهور من البسطاء يمكن خداعهم ببضع كلمات وشعارات عاطفية، أو بحلم كاذب يقصونه عليهم، فيتحول الى حقيقة مقدسة. 

والسلاح الآخر القوة المالية التي تتحكم بالمعتاشين فتشتري مواقفهم.

تعرض لهذه الهجمات الكثير من مراجع وعلماء الشيعة في فترات مختلفة من التاريخ، منهم السيد محسن الأمين العاملي والشيخ محمد رضا المظفر والسيد الشهيد محمد باقر الصدر.

كما استطاع الخط الخرافي أن يزوي المرجعية عن فقهاء كبار عن طريق تحريك البسطاء والأموال ضدهم، والمثال المؤلم في هذا الخصوص هو الشيخ (عبد الكريم الزنجاني) الذي قام بجولة في بلاد الشام وفلسطين والقاهرة في منتصف القرن الماضي، وألقى محاضرة في الأزهر، فقام الدكتور طه حسين وقبّل يده وقال كلمته: (استمعت الى خطبة الامام الزنجاني فظننت أن ابن سينا حيّ يخطب). 

لكن أقطاب الخرافة شنّوا عليه حملة قاسية، حتى عزلوه في منزله المتواضع، وتوفي فقيراً مُعدماً…

لقد صنعت حروب أقطاب الخرافة ضد علماء مدرسة أهل البيت الأصيلة، ظاهرة مؤسفة سادت الساحة الشيعية، فقد صار الخوف منهم، أمراً واقعاً يجب أخذه بالحساب عند الدخول في أي مشروع للوعي والنهوض الثقافي للشيعة، ومحاولة رفع المستوى الاجتماعي للأمة.

بل أنحدر الأمر الى أكثر من ذلك عندما راح بعض المراجع والعلماء، يحذرون من إعلان رأيهم في قضايا مهمة، لأنهم يتحاشون الاصطدام بأقطاب الخط التجهيلي.

ثم وصل الأمر الى درجة من السوء، بحيث أن بعض المراجع صاروا يخشون الجهلاء من الناس، فلا يجهرون بقول الرأي الشرعي رغم علمهم بأن ما يمارسه هؤلاء مخالف للاسلام ولعقائد التشيع….

في ضوء هذا الواقع المؤسف الذي يتحكم بمساحات واسعة من الوسط الشيعي، جاءت النصائح الى السيد فضل الله من أصدقائه المخلصين، حفاظاً على موقعه ودوره، من ردة الفعل المضادة. لكنه رفض نصحيتهم، مستنداً الى القرآن الكريم وخط أهل البيت عليهم. فالقضية ليست في شخصه، إنما في المصلحة الاسلامية، إنه شخص جاء وسيمضي مثل الذين سبقوه، أما الفكرة التي تخدم الانسان والمجتمع فهي التي يجب تثبيها والحرص عليها.

وأضع في نهاية المقال، مقطعاً من الخطاب الذي تحدث فيه السيد فضل الله عن موقفه من الهجمة التي تعرض لها، والتي قادها أحد اقطاب الخط الخرافي والتجهيلي أي السيد (علاء الدين الموسوي الهندي)، رئيس ديوان الوقف الشيعي حالياً، بأموال رجل المخابرات الكويتي (عباس بن نخي)، وجهات أخرى. وقد تم فيها شراء الكثير من الذمم.

 لم تكن الحرب على السيد فضل الله، لسبب واحد، إنما تعددت، فهو كان يدعو الى الوعي وصناعة الانسان الذي يمتلك إرادة القرار والتحدي ورفض الظلم وعبودية الاشخاص. وكان يدعو الى الحوار العلمي، مستنداً الى أن الفكر الشيعي يمتلك عناصر القوة التي تجعله قادراً على الانتصار في أي حوار علمي موضوعي. 

وقد واجه إسرائيل بخطاباته ومواقفه الصريحة، وتحدى السياسة الأميركية في المنطقة والعالم بمخططاتها وتآمرها. وواجه الوهابية وآل سعود بفضحه لفكرهم التكفيري، وتعرض لعدة محاولات اغتيال أشهرها مجزرة بئر العبد، وحين نجى منها، شكر الله وقال علناً إن إمرأة استوقفته لتسأله عدة اسئلة شرعية مما جعله يتأخر بضعة دقائق، كانت هي الفاصلة بينه وبين التفجير. ومن المؤكد لو أن نجاته من عملية الاغتيال، حدثت مع شخص آخر من اصحاب الاتجاه الخرافي، لنسجوا عليها القصص مثل رؤية الزهراء في المنام، أو إرسال الامام المهدي رسالة تحذيرية أو قصة أخرى مما يبدعون في اختلاقه، ولصارت كرامة متداولة يقدسه بها الاتباع البسطاء…

ما أريد الوصول اليه، أن بناء الانسان والمجتمع ومن ثم بناء الدولة، لا يكون بنفسيات مهزومة أو خائفة، حتى وإن كان اصحابها على درجة عالية من الوعي والتشخيص، إنما النجاح يتطلب شجاعة التصدي للخرافة والتجهيل، لقد دفع الامام الحسين عليه السلام حياته من أجل كلمة الحق، فعلام الخوف من كلام هذا وذاك من اصحاب الخرافة؟.

لن يُبنى العراق، طالما الخرافة والفساد يسيران بخط واحد، يدعم أحدهما الآخر. ولن ينجو العراق من الخراب، ما دام الخوف يسيطر على قسم كبير من الواعين من علماء ومثقفين وكتّاب، ويدفعهم للحذر من ردة فعل أقطاب الخرافة والتجهيل.

تلك هي المسؤولية التي يتحملها العالم والخطيب والمثقف والكاتب والمتعلم، من أجل المواطن والمجتمع والدولة.

لها تتمة

شاهد أيضاً

في رثاء الحاج طلال شرارة (أبو علي)

قم أيها الحبيب! رد هذا التراب عن وجهك وحدثنا فنحن لم نودعك كما الزوجة والأبناء …