المرجع السيد من بهتوه حياً وميتاً

السيد فضل الله وبُهتانه حيّاً وميتاً

كتب محمد طراف

إنّ الخطر الحقيقي على الدين هو من داخله لا من خارجه، فحصانة الدين الداخلية ومناعته، هما انعكاس للتسديد الإلهي له، وتصويب دائم لمساره، فما يأتيه من الخارج ما هو إلا زبد رابٍ يذهب جفاء ولو بعد حين.

إلا أنّ الخطر الذي يتهدده دائماً هو من المتلبسين بلبوس الدين، والأخطر استهداف هؤلاء للآخرين داخل الدين والمذهب بحجة الدفاع عن المذهب ومعتقداته، وكأن الحق يُدافع عنه بالباطل، فيمزجون الحق بالباطل، ولو أن قليل الحق يغني عن كثير باطل.

وتصل بهم الأمور حد المزاجية في تفسير الآيات وكذلك الأخذ بالروايات الموضوعة، بجعل من يخالفهم في الرأي من أصحاب البدع، كالحديث المكذوب عن رسول الله (ص): «إذا رأیتم أهل الریب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأکثروا من سبهم والقول فیهم والوقیعة وباهتوهم”، فيتحول إلقاء الحق على الباطل ليبهته ويزهقه، فيصبح إلقاء للبهتان والتزوير، وتسويغاً ومبرراً شرعياً لمآرب شخصية أو عقد تختلج صدورهم منذ عقود، تحت عنوان الدفاع عن عقائد أهل البيت(ع) ومذهبهم…

فما عاناه السيد فضل الله في حياته أُلّفت فيه الموسوعات والمجلدات الطوال، وكذلك الردود، والقاصي والداني يعرف خلفيات الحملة ومن وراءها من كبار وصغار صغار، وكان للسيد في حياته منهجه في الرد أوالصمت، وكيفية التعامل مع هذه الحملة، إلى أن لاقى ربه مظلوماً صابراً عاملاً ومحتسباً، وكان يظن أن موته سوف يريح الآخرين وينهي هذه الحملة، كما قال في التسجيل الذي بُثّ بعد وفاته.

ولكن هذا ما لم يتحقق، فلم تمنع حرمةُ موته الكثيرين من محاولة دفن فكره معه، وبالوسائل شتى، معتمدين الأساليب نفسها من التزوير والبهتان والتقطيع والتوصيل. ومن هذه الأمور، الافتراء على السيد والقول إنه يقول بأن الاحتفال بمولد النبي (ص) ليس من الإسلام في شيء، إنما هو تقليد جاءنا من الغرب!! ويدعي هؤلاء أن كُتب السيد وأفكاره وعقائده هي كتب ابن باز والوهابيين وأفكارهم وعقائدهم نفسها، طبق الأصل. ومنهج السيد ومعتقده مع من يتبعه هو الوهابية المقنعة.

وعليه، سنذكر نموذجين لرأي السيد بهذه المسألة، أحدهما كتبه في مجلة الأضواء في النجف الأشرف منذ ستين عاماً، وصدر في كتاب قضايانا على ضوء الإسلام، والآخر في كتاب فقه الحياة في العقد الأخير من حياته.

يقول رضوان الله عليه في كتاب قضايانا على ضوء الإسلام ص 261، تحت عنوان (المستقبل الواعد):

“ومن هنا، كان الاحتفال بذكرى نبيِّ الإنسانيَّة الأعظم محمَّد (ص) حاجةً ضروريَّةً تمسُّ حياتنا في الصَّميم، وليست ترفًا فكريًّا تمارس فيه صناعة الكلمة وفنُّ الخطابة.

كان مولد النَّبيِّ (ص) إيذانًا بولادة مستقبلٍ جديدٍ للحياة، وانفتاح عالمٍ جديدٍ، ترفرف عليه أجنحة السَّعادة، وتسوده قوى الخير.

وكانت رسالة النَّبيِّ (ص) تجسيدًا لهذا المستقبل، فقد كانت دعوةً للحياة الحرَّة الكريمة المتَّصلة بالله، المنطلقة مع إرادته وإطاعته”…

وفي كتاب فقه الحياة، ص 186، يقول سماحته:

“نحن لا نلتقي مع بعض علماء المسلمين الذين حرَّموا الاحتفال بمولد النبيّ (ص) باعتبار أنّه بدعة، لأنّنا لا نرى مصطلح البدعة يشمل مثل هذه الأمور التي لا يقوم بها الناس انطلاقاً من أنّها صادرة عن الشارع المقدَّس حتى يكون تشريعاً محرَّماً، بل لأنّه شيء مفيد في نتائجه الإيجابية على مستوى علاقة الأُمّة بالرموز الكبيرة في دينها، ما يؤدّي إلى العيش معها، واستعادة سيرتها في عناصرها الحيويّة التي تغني فكر الأُمّة وتجربتها الرساليّة في الحياة. والله لم يحرِّم علينا أن نأخذ بالجديد في احتفالاتنا وأساليبها، كما نأخذ بالجديد في وسائل عيشنا وما

إلى ذلك”…

يقول الله تعالى: {بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَاطِلِ فَیَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقࣱۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَیۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء:18].

حدّث العاقل بما لا يليق فإن لاق له فلا عقل له…

سنبقى ما دام في العمر بقية، نلتزم المبادئ، ولا نتلون في مسألة الحق ودفع المظلومية عمن أفنى عمره في خدمة الدين والمذهب والإنسانية، ولن تأخذنا في الله لومة لائم، إن شاء الله…

والله من وراء القصد

*مدير التحرير في المركز الإسلامي

شاهد أيضاً

في رثاء الحاج طلال شرارة (أبو علي)

قم أيها الحبيب! رد هذا التراب عن وجهك وحدثنا فنحن لم نودعك كما الزوجة والأبناء …